أثار قانون تسريع التعليم الذي أقرته وزارة التربية و التعليم العالي في فلسطين مؤخراً موجة من الآراء والمواقف ما بين معارض ومؤيد، كونه يتعلق بأبرز القطاعات المهمة، وهو قطاع التربية والتعليم، الذي يشهد – إجمالاً - محاولات لتطويره، بما يواكب أساليب التعليم الحديثة في بعض الدول المتقدمة، المبنية على النظريات التربوية الحديثة والمتجددة، وبما يقلص الفجوة بين مخرجات التعليم المحلي ومخرجات الانفجار العلمي العالمي الهائل. واستجابة لذلك تبنت وزارة التربية والتعليم العالي سياسات عامة، توجِّه دفة العملية التعليمية برمتها باتجاه تطوير المناهج، ورقمنة التعليم وتحديثه، وبناءً عليه فإن الوزارة اتخذت بعض القرارات ذات العلاقة، والتي أثارت جدلاً واسعاً، كقرار ملف الإنجاز، وقرار إلغاء الواجبات البيتية لطلبة المرحلة الدنيا، ومؤخرًا إقرارها لقانون التسريع الأكاديمي. والوزارة شأنها شأن أية مؤسسة فاعلة، تحتمل قراراتها الصواب والخطأ، ما يعني أنها مثار جدل متواصل، ومحل خلاف بين التربويين والمتخصصين في مختلف مواقعهم. ولكن دعونا نتفقِ ابتداء على أنَّ من يعمل، فيصيب أو يخطئ، خير ممن يأسر عقله في سجن الجمود والتقليد، وأن من يحاول الاجتهاد في إطار توجه عام نحو تطوير التعليم، يستحق الشكر، ولكن يتوجب عليه في الوقت ذاته أن يتمتع بالحيوية والمرونة، وقابليات المراجعة، والاستدراك، والتغيير، والتعديل، بما يخدم العملية التربوية والتعليمية بشموليتها. كما أن هذه القرارات- وبمعزل عن مدى صوابها أو خطئها- فهي التي تحرك المياه الراكدة، وتفتح العيون لصالح تطوير النظام التعليمي الفلسطيني.

بداية،ماذا يُقصد بتسريع التعليم؟ إنه السماح للطالب بالتقدم عبر درجات السلم التعليمي أو التربوي، بسرعة تتناسب مع قدراته، دون اعتبار للمحددات العمرية أو الزمنية. بمعنى آخر؛ هو تمكين الطالب من إتمام المناهج الدراسية المقررة، في مدة أقصر أو عمر أصغر من المعتاد.

 والتسريع التعليمي لا يقتصر على شكل واحد، وإنما له بضعة أشكال، وهي: القبول المبكر في الصف الأول، وغالبا ما يكون من سن ( 4- 5) سنوات كما في بريطانيا، والنقل أو الترفيع الاستثنائي الذي يتجاوز صفاً بعينه، والقبول المبكر في الجامعة، ودراسة مقررات وتقديم اختبارات جامعية أثناء الالتحاق بالمدرسة في المرحلة الثانوية بعد الصف العاشر.

أما حيثيات القرار، فإنه واستناداً لأحكام القانون الأساسي المعدل لسنة (2003)، وتعديلاته، ولا سيما المادة (71) منه،إضافة إلى أحكام قانون التربية والتعليم العام رقم (8) لسنة (2017)، ولا سيما المادة (13) في البند الثاني الذي ينص على ما يلي: "يتم تسريع التعليم واختصار عدد السنوات الدراسية لحالات معينة من الطلبة ممن يظهرون قدرات عقلية تفوق أعمارهم الزمنية، وتؤهلهم للانتقال من صف لصف أعلى أو انتقال لمرحلة تعليمية أخرى، بقرار من الوزير". والبند الثالث ونصه ما يلي: "يصدر الوزير التعليمات اللازمة لتحديد معايير وضوابط عملية تسريع التعليم"؛ وبناء على ما تقدم، فقد صادق الوزير السابق لوزارة التربية والتعليم العالي، الدكتور صبري صيدي، على هذا القرار في مرحلته الأولى، موضحاً أن تعليمات هذا القرار تمنح الطالب الذي استوفى شروط التسريع كاملة الحق في الانتقال إلى صف دراسي أعلى بصف واحد، وأن التسريع في هذه المرحلة يشمل النقل من الصف الرابع إلى السادس، ومن السابع إلى التاسع فقط، وذلك بموافقة الطالب وولي أمره، وبترشيح من معلميه، وبعد مروره بجملة من الشروط والإجراءات اللازمة للتسريع، لافتاً إلى أن وزارته ستصدر قريباً قرارات فيما يتعلق باللجان التي سيتم تشكيلها للإشراف على تنفيذ تلك التعليمات، واعتماد النماذج والوثائق اللازمة لتطبيقها. 

وأما في دفاعه عن القانون، فقد بيّن صيدم أن للتسريع مزايا، أبرزها تحفيز الطلبة المتفوقين أكاديمياً، وتحسين مستوى تحصيلهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم ودافعيتهم وشعورهم بالإنجاز، ناهيك عن ضبط وتيرة التعليم لتوائم قدراتهم، وبعث الروح في الدافعية لدى عموم الطلبة، لرفع مستوى تحصيلهم، بُغية ترشّحهم للتسريع، إضافة إلى توفير فرص تعليمية تتناسب وقدراتهم الأكاديمية.

ورغم كل هذه التوضيحات التي قدمها صيدم كإجابات على أسئلة متوقعة، فقد ظلت موجة الانتقاد للقرار عالية وصاخبة، إذ إن انتقادات المعترضين على القرار تنطلق من كونه يفتقد للوضوح، ويتسم بالضبابية والاستعجال دون دراسة كافية، تراعي الواقع التعليمي في فلسطين، كما تمحورت بعض الانتقادات حول عدم مراعاة الوزارة لفقه الأولويات؛ إذ إنّ الحاجة ملحة لنهضة شاملة للنظام التعليمي أكثر من حاجته "لقفزات شكلية"، تكشف عن الفجوة القائمة بين واقع النظام التعليمي من جهة، وطموحات القائمين عليه من جهة أخرى، وتطرح جوانب أكثر أهمية وأولوية، تقدم الأهم على المهم، والعام على الخاص، من قبيل ضرورة رفع كفاية المعلمين، وتطبيق مفهوم الجودة الشاملة في التعليم المدرسي الحكومي، والتعليم المهني. فضلاً عن ضرورة إقرار قوانين أو تفعيل بعض القوانين التي تعيد الاعتبار للعملية التعليمية بمكوناتها كلها، وللمعلم تحديدا بإنصافه اجتماعياً وماديا ومعنويا، بعد تقييم مؤهلاته الفعلية خلال عملية التربية والتعليم التي يمارسها يوميا.

كما أشارت بعض الانتقادات إلى عدم رفضها المطلق للقرار بقدر ما هي تحفظات وتخوفات تعبر عن أزمة ثقة – ربما- تطرح جملة أسئلة منطقية ومحددة، كالسؤال عن الهدف من التسريع لتخريج طالب قبل الموعد المفترض في ظل ازدياد معدل البطالة، وانحسار الوظائف!! والسؤال عن نسبة الطلبة الذين سيستوفون شروط قبولهم في التسريع!! وما هي الشروط بالضبط ؟ ومدى الدقة في مراعاتها والالتزام بها؟! وهل هناك معدل محدد لقبول الطالب في برنامج التسريع كما تناقلت بعض وسائل الإعلام على ألسنة بعض التربويين؟! وهل مدارسنا مؤهلة وجاهزة لذلك؟ وهل تم تهيئة المعلمين وأولياء الأمور لقرار من هذا القبيل؟! وهل هناك جهات أكثر تخصصية تستطيع الكشف عن الطلبة المؤهلين للتسريع، باعتبار أن الأخير يعد مؤشراً مهماً على التفوق الأكاديمي كمؤهل للموهبة والإبداع، فهل هناك  لجان متخصصة ومؤهلة ونزيهة وفاعلة لتحقيق ذلك؟!

وفيما يتعلق بالجانب التربوي، تساءل بعض المعارضين عن الأثر النفسي الناتج - ربما – عن ترفيع طالب من الصف السابع إلى التاسع مباشرة، نظراً لخصوصية هذا السن، من حيث مدى التقبل والانسجام والتفاعل، وغير ذلك من سلبيات حرجة!! كما ذهبت بعض الانتقادات إلى حد اتهام الوزارة بالانحياز إلى الطلبة المتفوقين، معتبرة أن التعليم لم يتغير، وإنما ظل يعزز التمييز والعنصرية والطبقية على حساب ألوف الطلبة!! كما شككت بعض الانتقادات بقدرة الوزارة على الالتزام بالمعايير التي ستضعها لتطبيق القانون! دون أن تُغفل تلك الأصوات المعارضة الجانب المضيء من ذلك القرار في حال تم الالتزام بمعايير تطبيقه كما يجب، وليس كما يحدث في ملف التوظيف في كثير من المؤسسات الحكومية!! فالقرار من وجهة النظر هذه يدلل على أنه سلاح ذو حدين. كما ذهبت بعض الانتقادات في سياق معارضتها للقرار إلى حد وصف العملية التربوية والتعليمية بأنها "منهارة"، وأنه من باب أولى كان يجدر بالوزارة أن توسع دائرة الدراسة والاستشارة قبل اتخاذها لأية قرارات، وأنه يفترض بها أن تدرس القرارات السابقة، ومدى قبولها ونجاحها ونتائج تطبيقها، قبل إقرار أية قوانين جديدة. فيما ذهبت بعض التعليقات إلى الأسلوب الساخر، حيث أطلقت وصفاً  جديداً على طلبة الجامعة الجدد الأصغر سناً كنتاج للتسريع، وهو (براعم) على غرار وصف الطلبة الجدد حسب نظام التعليم الطبيعي بالسنافر !!    

أما المؤيدون للقرار، فيمكن تصنيفهم إلى مؤيد بالفعل أو مؤيد بتحفظ ، أو معارض في ثوب مؤيد لسبب ما. والمؤيدون إجمالاً، وفضلاً عن تأييدهم لما قدمه الوزير السابق من مسوغات للقرار، فقد انطلقت آراؤهم من جزئية أن القانون لا يؤثر إجمالا على مسار العملية التعليمية بالسلب، ولا يتعارض معها، وإنما يفتح نافذة جديدة، وفرصة سانحة للطلبة المتفوقين والموهوبين بشكل قانوني، لإنجاز حقوقهم المهضومة – ربما- نظراً لعدم مراعاة تميزهم في إطار مراعاة الفروق الفردية في المدارس، وبما يتناسب مع قدراتهم في ظل منظومة تعليمية لا تراعي تلك القدرات الأكاديمية والإبداعية كما يجب. كما أنهم يعتبرون القرار محاولة متقدمة لمحاكاة ما هو موجود في بعض الدول المتقدمة، والذي أثبت نجاحه، وآتى أكله، ولكن المعارضين يردون على المؤيدين في هذه الجزئية، بأن قرارًا كهذا في الدول الغربية يندرج في سياقه الطبيعي، الذي تتضافر على إنجاحه عدة عوامل مختلفة، وفرت بيئة سليمة لرعاية الموهوبين والمتفوقين، وهذه العوامل قد تفتقر إليها بعض الدول، الأمر الذي يؤكد أن هذا التوجه يتطلب نهضة تعليمية شاملة تراعي الاهتمام بالجذور والجذع قبل الأغصان؛ كي نجني من شجرة التعليم ثماراً طيبة.

 كما ينظر المؤيدون إلى هذا القرار في إطار أوسع، يمهد لاعتماد برامج ومناهج خاصة بالمتفوقين والموهوبين بشكل رسمي، ويوفر الدعم الداخلي والخارجي، ويؤسس لإنشاء مدارس ومراكز خاصة بالموهوبين، كما أنهم ينحازون لقناعة مفادها أن الفلسطيني قادر ولديه القدرة والذكاء، ولكنه بحاجة للبيئة الداعمة رسميا وشعبيا، وهؤلاء بطبيعتهم يميلون إلى الإيجابية في تعاطيهم مع مجريات الأحداث! كما أن أعينهم لا تغفل عن ضرورة إعادة الاعتبار للعملية التربوية والتعليمية ككل، بكل مكوناتها، سواء كانت في المناهج أم في المعلمين أم في شكل العلاقة بين المعلم والطالب، أم في النظرة العامة لهذا القطاع الأكثر أهمية في ظل وجود احتلال يمعن في سياسة تجهيل الفلسطيني، وتشويه وعيه.

أما جلُّ المؤيدين للقرار مع التحفظ على بعض الأمور، فإنهم حريصون على طرح ملاحظاتهم، بهدف توضيح القانون، وإزالة الإبهام عنه، بل وتطوير الفكرة وضبطها، وتحديد معاييرها، وكيفية تنفيذها. والإيجابيات والسلبيات مسألة نسبية، تخضع لمدى معرفة القارئ أو المهتم بخلفيات القانون، والتجارب السابقة، وغير ذلك. ما يعني أنّ هذه القرارات عندما يتم تناولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي تبدو مرفوضة للوهلة الأولى، وتُستحضر سلبياتُها أكثر من إيجابياتها،  ولكن أصحاب الاختصاص هم الأكثر دقة في تقييم قرارات كهذه، وهذا أمر يؤخذ بعين الاعتبار.

خلاصة القول: إن تطوير العملية التربوية والتعليمية في فلسطين على قاعدة إعادة تأهيلها، والنهضة الشمولية بكل مكوناتها، قبل أية قفزة نوعية تثير الجدل! يعد ضرورة ملحة، ورافعة وطنية في ظل وجود الاحتلال، وليست ترفاً تعليمياً، بل إن إنجاح أية قرارات تطويرية، لابد له من أرضية صلبة يقف عليها. وعلى هذا الأساس فإنه يمكن لقانون تسريع التعليم أن يكون أكثر قبولاً وفاعلية وتأييداً على أن يتم توضيحه، وتحديد معاييره، وتهيئة الظروف المناسبة لتطبيقه، بما في ذلك البيئة المدرسية، واقتصار تطبيقه أولاً على طلبة الصف الرابع بالترفيع للسادس فقط، وعلى أن يُقدَّم أيضاً في سياق تحفيزي تنافسي، وبشروط مشددة، وبهدف تأهيل المتفوقين لاختبارات قياس الموهبة، بغية تعزيز أدوات الكشف عن الموهوبين وتأهيلهم أكثر من كونه سبباً للترفيع الاستثنائي.

 وهذا يدعونا إلى ضرورة التركيز على التسريع المعرفي كأولوية، وهو الذي يعمل على رفع مستوى النمو العقلي، وتفعيل عمل الدماغ، وتنمية مهارات التفكير بأنواعه المختلفة، وبخاصة التفكير التأملي، وابتكار أنماط تفكير جديدة، بما يساعد الطلبة على نقل تلك المهارات واستخدامها في مجالات أخرى. إضافة إلى ضرورة تعزيز التعليم المهني وإقرار قوانين لرعايته وتطويره والتشجيع عليه منذ الصغر. كما يجب أن تخضع قرارات وزارة التربية والتعليم ذات العلاقة للتوجهات والسياسات العامة، التي تقرها الوزارة بخطوطها العريضة، كخطة عمل نهضوية استراتيجية وشاملة، تضع البرامج التطويرية القائمة على أساليب التعليم الحديثة، ويتم تنفيذها تراكميا، وضمن جدول عمل متكامل، تقره دائرة واسعة من المتخصصين والتربويين، ذوي الخبرة والتجربة، مستفيدين من مختلف التجارب العالمية، دون إغفال خصوصية فلسطين، وما يناسبها. وبهذه الطريقة تكون السياسات العامة تابعة للوزارة كمؤسسة، وليس للوزير كرجل مرحلي، يأتي ويذهب، بينما الوزارة هي المؤسسة الباقية. والسؤال المطروح هنا، كيف ستتعامل وزارة التربية والتعليم في ظل وزيرها الجديد مع النظام التعليمي، والقرارات السابقة ذات العلاقة؟ وهذا ما ستكشفه الأيام لاحقاً.

 

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                               علاء حمدان

طالب في ماجستير تربية الموهوبين


عدد القراءات: 267