تطورت في الآونة الأخيرة آلية التعلم والتعليم , والاستراتيجيات المستخدمة في عملية التعلم والتعليم , وطرأ تغيير على المناهج الدراسية ومفهومها العام والخاص , وتغيرت أيضا النظرة إلى المنهاج حيث كان ينظر إلى المنهاج على أنه المقرر الدراسي والمادة تعليمية , أما الآن فهو خليط من عده مكونات تشمل المقرر الدراسي – المحتوى التعليمي – الاستراتيجيات – الأساليب – الخطط – الوسائل – الأنشطه – الأهداف – والتقويم ... الخ .

كان هذا التطور نتيجة دراسات وبحوث مكثفه بادر إلى تنفيذها علماء ومختصين منذ بداية القرن التاسع عشر , حيث أجريت دراسات متعددة ونشرت بحوث حول مفاهيم تدور حول  التحصيل الأكاديمي والتحصيل الأدائي وعلاقتهما بالذكاء والعبقرية والتفوق , ونود الإشارة هنا إلى بعض العلماء الذين وضعوا  بصمتهم في مجال الذكاء والتفوق , منهم العالم ( ستيرن ) الذي درس مفهوم العبقرية وتم تعديله إلى مفهوم الموهبة , العالم ( جاردنر ) الذي تحدث عن الذكاءات المتعددة , أما العالم ( جيلفورد ) فتحدث عن نظرية البناء العقلي و ( بيرسون ) كثف دراساته حول معامل الارتباط المتعلق بالذكاء , وأكد سبيرمان على وجود عاملين للذكاء العام والخاص , فظهرت مفاهيم متعددة من ضمنها اختبار الذكاء الذي وضعه ستانفور وبينيه وكانت هذه الدراسات والبحوث والتعميمات نابعة عن ملاحظاتهم للطلبة الذين يتمتعون بقدرة أعلى من مستوى أقرانهم من نفس الفئة العمرية , سواء من ناحية التحصيل الأكاديمي أو الأدائي , فأجريت عدة تجارب في دول أوروبيه , حول استخدام هذه النظريات والاختبارات لمعرفة قدرة وحاجات الطلبة وإمكانياتهم العقلية والجسمية والعصبية ومن هنا بدأت تظهر فكرة تسريع التعليم , والتي أقرتها ونفذها الكثير من الدول الأوروبية  والعربية اعتمادا على نتائج اختبارات الذكاء .

ماذا نعني بتسريع التعليم ؟

تسريع التعليم هو مصطلح متوسط الحداثة يقصد به  تقديم خبرات ومهارات أعلى من العمر الزمني للفرد من حيث التعمق والتوسع في مجالات متعددة معرفيه ,أدائية , اجتماعية , سلوكية .

وقد أقر السيد وزير التربية والتعليم العالي في فلسطين قانون تسريع التعليم , فكانت ردود فعل الشارع الفلسطيني بين مؤيد ومعارض ومحايد .

كما ذكرنا تسريع التعليم يعنى بتقديم معلومات وخبرات إضافية وإثراء على مستوى أعلى من التعليم العادي في المدارس العادية , ولكن من هم الفئة المستهدفة الذين سيطبق عليهم قانون التسريع ؟ , أكد الباحثون أن هناك نسبه ضئيلة من طلبه المدارس العادية يتمتعون بقدرات وإمكانيات معرفيه عقليه وأدائية أعلى من مستوى اقرأنهم في نفس الفئة العمرية . لذلك فان هؤلاء الطلبة سيشعرون بالملل والإحباط نتيجة تفوقهم وعدم وجود ماده تعليمية تحتوي على تحديات وأساليب متنوعة تحفز التفكير بجميع أنواعه الإبداعية , التباعديه , التقاربيه , والتشعبي . وتفتقر المناهج العادية إلى الإبداع في حل المشكلات والتطبيق العملي المرتبط بالحياة العملية , لذلك فان هؤلاء الطلبة الذين يمتلكون قدرات فوق المتوسط , ولديهم بوادر إبداع , والمثابرة على الأداء – كما أكد رنزولي – هم الطلبة الذين تنطبق عليهم شروط التسريع ولكن بعد مراحل متعددة من الكشف والاختبار  ، و أيضا اعتمادا على ترشيح المعلم و أولياء الأمور و الخضوع  لاختبارات الذكاء  و الأداء  و بإشراف متخصصين وعلى عدة مراحل وبعد أن يتم اختيار الطلبة الذين سيخضعون لقانون التسريع ، سيتم التعامل معهم بطريقة مختلفة وهناك خيارات متعددة لرعاية هذه الفئة ، ولكن قد يتساءل أحدهم هل لهؤلاء الفئة مواد تعليمية خاصة يجب أن تكون معدة من قبل ذوي الاختصاص ؟ نعم ، بناءا على البحوث والدراسات  التي أكدت على ضرورة وجود منهاج خاص يحتوي على استراتيجيات و أساليب متعددة ، مهارات البحث ، التفكير الإبداعي ، التفكير الناقد ، منهاج شامل مترابط يتضمن التوسع والتعمق ، يصل إلى الحد الأعلى من مهارات التفكير ، تحديات تناسب ميول وقدرات ومواهب الفئة التي تم اختيارها ، ومن الممكن أيضا استخدام أساليب متعددة للتسريع نذكر منها ، الالتحاق المبكر لرياض الأطفال ، القفز إلى صفوف أعلى ، إثراء المادة التعليمية بمادة مكملة أعمق وتحتوي على مهارات أصعب ، إضافة مواد جامعية خلال سنوات الدراسة  وتعتمد كساعات جامعية معتمدة عند الالتحاق في الجامعة  ، الالتحاق المبكر في الجامعة ، ونود التنويه هنا إلى أن التسريع يتخذ عدة مسارات و إجراءات ، ولتطبيق نظام  التسريع يجب أن يضع المهتمون والمختصون والتربويون وصانعوا القرار بعين الاعتبار أمور عديدة نذكر منها جاهزية  المادة التعليمية ، جاهزية المكان _ المدرسة _ ، الإمكانيات المادية .

 إن عملية التسريع تحتاج إلى خطط مبنية على أسس عامة وخاصة ، "عامة " :من حيث مواءمتها لفلسفة المجتمع والبيئة الاجتماعية والنفسية والتربوية العامة وجغرافية البلد وتاريخه ، و"خاصة" : تتلاءم مع مجال التميز للفرد الموهوب أو المتفوق سواء كان أكاديميا أو أدائيا ، فهناك عدة خيارات لدمج هؤلاء الطلبة ضمن برنامج التسريع ، إما أن تبنى لهم مدرسة خاصة بتجهيزات كاملة من حيث بيئة عامة وخاصة , غرف مصادر , مختصين , أكاديميين , مرشدين وهذا الإجراء مكلف ماديا وقد يحرم بعض الطلبة من الاستفادة بسبب الأوضاع الاقتصادية ,  أو تجهيز صفوف مستقلة داخل مدرسه عاديه يتم انتظام الطلبة فيها , وقد يكون لذلك أثر نفسي سلبي على الطلبة أمام أقرانهم من نفس الفئة العمرية , وممكن أن يتم رعاية تفوق هؤلاء الطلبة لدمجهم ببرامج مثل عطلة نهاية الأسبوع أو النوادي والمخيمات الصيفية , الرحلات الميدانية , مراكز التعلم داخل المدرسة أو مدرسه مجاوره , أو مدرسه بداخل مدرسه , أو غرف مصادر .

نرى أن هناك خيارات متعددة لرعاية هذه الفئة الاستثنائية ولكن قد يكون لهذا القرار – قرار تسريع -  سلبيات منها علاقته الاجتماعية بأقرانه من نفس الفئة العمرية , حرمانه من حقه في ممارسة أنشطة يمارسها أقرانه , خوفه الشديد من وضعه في صف موهوبين ( أ ) أو ( ب ) أو ( ج ) بينما لو وضع مع اقرأنه من نفس الفئة العمرية سيكون تقديره ( أ ) .

أما الايجابيات  فهي عديدة منها استثمار الطاقات المشتعلة لدى هؤلاء الطلبة في تطوير المجتمع

استغلال الأفكار الإبداعية الأصلية التي سوف تتدفق عند رعاية المتفوقين ضخ قيادات وعقول ابتكارية ولبنات أساسيه للمجتمع استقطاب هذه العقول لخدمة الوطن وتطويره بدلا من هدر الطاقات وإخمادها وخسارتها إلى دول أخرى ترعاها وتتبناها .

هل نحن كفلسطينيون مستعدون لتحويل الخيال إلى حقيقة ؟

هل نحن مؤمنون بأن تسريع التعليم سيكون قرار إيجابي وبناء ؟

لخوض هذه التجربة يجب أن نسأل أصحاب الاختصاص وصانعي القرار , لكي أضع قرارا مصيرا كهذا القرار , ماذا احتاج ؟ , وما هي خطتي ؟

نحن في المدارس الفلسطينية ليس لدينا استعدادا تاما لاتخاذ مثل هذا القرار , ولكن هناك بدايات عظيمه سأذكر منها , مبادرة جامعه النجاح الوطنية في إطلاق برنامج ماجستير تربيه الموهوبين الذي يسعى إلى إعداد كادر من المتخصصين والمعلمين بإكسابهم المهارات اللازمة استعدادا لرعاية الفئة المستهدفة في القرار – قرار التسريع - .

أما ثانيا :- مبادرات وزارة التربية والتعليم إلى إطلاق مسابقات أولمبياد وندوات مثل اولمبياد الرياضيات , معرض العلوم , تحدي القراءة , والمعلم المتميز . كل هذه المسابقات تعمل على تحفيز كل من الطلاب والمعلمين .

ثالثا :- تنتشر في أرجاء الوطن المراكز الثقافية التي تعتني بالموهبة في المجال الأدائي , ولكن قد يحرم بعض الطلبة نظرا للتكلفة المادية في بعض المراكز .

رابعا :- تفعيل دور الأنشطة اللامنهجية في المدارس التي تعمل على تحرير فكر الطالب , تنشيطه جسميا وعقليا والربط بين التعلم والحياة .

أمور أخرى لا يتسع الوقت لذكرها , أود أن أذكر بناء على تجربتي ورأي الشخصي , أن قرار التسريع قرار رائع وشائع عالميا ولكن بحاجه إلى دراسة معمقه حول المجتمع واحتياجاته , وإمكانياته وظروفه السياسية والاجتماعية والمادية , تحتاج إلى مناهج خاصة وبرامج خاصة شامله عميقة ومترابطة ومتكاملة تحتاج إلى أهداف , محتوى متناسب مع الأهداف , أساليب تتناسب مع المحتوى والمادة التعليمية , أساليب تقويم مناسبة من حيث المخرجات والنتاجات التعليمية , مواد إثرائية , مراكز تعلم مجهزة بكل الإمكانيات , حواسيب , مختبرات , مسرح , قاعات , ملاعب , صالات رياضيه , هناك بوادر من المجتمع المحلي ووزارة التعليم العالي لكنها غير كافيه تحتاج لتحرك وزاري رئاسي من الدرجة الأولى لوضع ميزانيه خاصة يتم المصادقة عليها من قبل السيد الرئيس – رئيس دولة فلسطين – ومجلس الوزراء , وتأسيس جهة مختصة تقوم بوضع خطه وإجراءات لازمه لتنفيذها وبالتعاون مع الجامعات والمراكز الثقافية , ليتم تشكيل هيكل متكامل أدائيا وأكاديميا  يعتمد عليه الطلبة ويحقق آمالهم في النمو المعرفي والعقلي والأدائي .. اكتفي بهذا القدر .. واترك لكم التعليق والبحث لمن يهتم بموضوع التسريع , والاطلاع على تجارب عالميه في رعاية الموهوبين والمتفوقين .

بقلم :- رانيه شافع أسمر/الكوني

طالبة ماجستير تربية موهوبين


عدد القراءات: 86