الأفكار والخطة التعليمية التي تطرق لها الكاتب (جاك رانسيير) في كتابه " المعلم الجاهل "  تـُظهر الجرأة في الأسلوب وثورة على التقليد والمألوف في مسألة التعليم، فوجدت في  الموضوع الذي تطرق له ترجمة لما كان يجول في فكري في انتهاج أسلوب يمنح الطالب فرصة الإعتماد على النفس بالبحث والإبتكار ، وفي المقابل الإختصار على المعلم مهمة التلقين المتعارف عليها والتي تـحد من تمكين الطالب من استخدام مواهبه، فالمباشرة بالشرح والتفسير هي إقرار بأن الطالب عاجز عن الإجتهاد وما هو سوى متلقي لما يملى عليه، فقد رأيت في طرح (الكاتب رانسيير) بأن الثقة العقلية هي ملكية كل إنسان، وإن عدم تقييد عقلية الطالب بما يـًملى عليه سيتحرر من البلادة والإعتماد على الآخر ،لأن التفسير والتلقين يؤخر حركة العقل وانعدام الثقة في الذات، وإن كان لا بد من وجود المعلم فـدوره كالمراقب أفضل من دوره كملقن لأنه بذلك يصقل شخصية الطالب فيجعله هو المسئول والمقيــّم في آن واحد على أدائـه، مما يضطره أن يقدم الأفضل دائما، وتجربة (المدرس جاكوتو) على الطلبة وحسب ما استنتجته أنه أثبت أولا ً: التعاون بين الطلبة أخرجهم من عقدة الترجمة للمادة المطروحة عليهم بلغة غير لغتهم، وصياغتهم للنص ثانياً بطريقة فاقت توقعات مدرسهم وبدقة متناهية ، فاستنتجت أن دور المعلم هو زرع الرغبة الملحة في نفوس الطلبة وبناء ثقتهم بأنفسهم في التعلم والفهم، ثم يتنحى من سلطته التفسيرية ليتركهم في مواجهة مباشرة مع الكتاب ومعارفه ، فيتوسع مدى تفكيرهم وتنمو مواهبهم فيخرجوا ببحوثهم وكأنها اكتشافات لأنها تكون خاصتهم ، من هذا المنطلق يجد الطالب نفسه قد تحرر من قيوده على مقعده الدراسي ليجد نفسه أنه في مقام المعلم الباحث الذي يجتهد لتحضير المادة بأسلوب جديد مشوق نصا وشرحا للإنفراد بالعطاء والتميز في الأداء ، فالخروج من القاعدة التي تقول بأن معرفة الطالب مقترنة بما يفهمه من الحصول على الشرح من المدرس حتى رسخ ذلك في المنظومات التعليمية التي رأت أن المهمة الأساسية للمعلم هي نقل المعارف للطالب مع تفسيرها قد يكون أفضل.

......................................................................................................

اتخذ الكاتب(جاك رانسيير)في كتابه (المعلم الجاهل)من معلم الأدب الفرنسي (جوزيف جاكوتو) نموذجاً للمعلم المجدد  الذي اختبر الطلبة الجامعيين بفهم القصة(تليماك)التي صدرت مزدوجة باللغتين(الهولنديــة والفرنسية)وكتابتها باللغة الفرنسية التي لا يعرفها الطلبة، وبناء على ذلك بنى المؤلف كتابه على الأساسيات التي جعلت من الأسلوب الغريب الذي جعل طلبة الجامعة يسارعون لتسجيل المواد التي يدرسها بعد أن نالت دروسه إعجاب الطلبة و تذوقوا لذتها، والمخاطرة بطلب كتابة ملخص القصة بلغة أخرى، فالمعلم كأي شخص آخر في مكانه يتوقع أن النتيجة ستكون سلبية أو أكثر من ذلك وهو إبداء العجز من الطلبة ،  لكن اقتران القدرة بالإرادة تجعل فهم الآخرين ميسرة واستيعاب إنجازاتهم مفهومة، فتجربة المعلم غيرت مفاهيم عنده ومألوفة عند غيره وهي أن الطالب فقط يتلقى ما يمليه المعلم فيرتقي بالمعلومات وتتوسع عنده المعرفة ، لكن تجربة (جاكوتو)في إلقاء عبئ المعلم على الطلبة والنتيجة الإيجابية التي خرج بها كانت مبادرة منه لتقليص دوره كمعلم ملقن فقط ، واستمرار المسيرة التعليمية دون أي عراقيل وبأسلوب آمن وإيجابي،  فتخطت التجربة توقعاته بهؤلاء الشباب الذين قاموا بتشخيص  مشاكل لغة لم يتعلموها بالوصول إلى المبتغى وتجاوز عقبات ليس بالسهل الخروج منها ، فالعزيمة والإرادة في مسار واحد توصل إلى الإبداع ، فمن الفرضيات التي يتم طرحها، المقدرة عند الناس بإدراك وفهم ما يفهمه الآخرين بالتركيز والمثابرة .

اعتبر (جاكوتو) أن النتائج التي حصل عليها بمثابة ثورة على المعتقدات عنده وعند المعلمين الجادّين بأن دورهم نقل المعلومات للطلبة وتجنيبهم المضي في تسخير مواهبهم ببحوث تتشتت في أخاديدها أذهانهم فيفتقدون التمييز بين ما هو أساسي وثانوي وبين الأسباب والنتائج ، فنقـل المعرفة وتكوين العقـول وصقـلها بالتـدرج وتهيئة الطلبة وإعدادهم لاستخراج النخبة المتعلمة والمثـقفة واستفزاز ملكاتهم العلمية والثقافية بعد إدراكهم ما يتلقونه فيقدمون مواهب تنم عن ذائقتهم .

(جوزيف جاكوتو) لم يقدم للطلبة أي تفسير للقصة ، إلا أن الطلبة بحثوا بطريقة عبقرية عن وسيلة للترجمة فخرجوا بجمل تزيد دقة صياغتها ما تجود به قريحة كاتب متمرس لا طالب في مراحله التعليمية .

 

إعداد / بــدور خالد عامر دويــكات

 

 

 

 

 


عدد القراءات: 34